تأبين الحويني! - أحمد علي سليمان

رَحَلتَ عنا ، ويبقى طيِّبُ الأثَرِ
وفي المُصاب بَدَتْ ألطافُ مُقتدِرِ

أما الرحيلُ فحَتمٌ لا يُجاوزُهُ
وإن طغى العُمْرُ مخلوقٌ مِن البشر

ذي سُنة الله مُذ دَبَّتْ خليقتُه
على البسيطة ، كم تحوي مِن العِبَر

يَفنى الأنامُ ، ويبقى الربُّ خالقهم
سبحان ربك ذي النِّعمات والقُدر

وتغمُرُ المرءَ في الدنيا مَطامحُه
وما قضى عُشْرَ ما ينوي مِن الوطر

ويستبدُ به جمالُ عِيشتهِ
والصَّحبُ والأهلُ في سَهل وفي وَعِر

وتستهينُ به الآمالُ باذلة
وهمَ الخِداع تُريهِ الرملَ كالدُّرَر

وليس يدري الخفايا في القضا زُويَتْ
وليس يُدركُ ما في الغيب من قدر

حتى تُفاجئه الحُتوفُ شاخصة
أبصارُها ، فيَنِي في لجة الغِيَر

ولا يكونُ سِوى ما الله قدَّرَهُ
مِن المصائر رَهنَ الوِرد والصَّدَر

عَزيتُ فيك (أبا إسحقَ) عاطفتي
أنَّتْ بدمع مِن الأعماق مُنهمر

وخاطراً هزه ما شاعَ مِن نبأ
فشا ، وقلبي ثوى مِن وَطأة الخبر

عزيتُ نفسيَ في الأستاذ فارقها
وإنْ تعَزتْ بما قد فات مِن أثر

عزيتُ روحي التي بحُبكم شرُفتْ
والحبُّ يُذهِبُ ما بالروح مِن كدر

عزيتُ فيك شبابَ الأمة ابتأسوا
لِمَا أصابك مِن داءٍ ومِن ضَرر

وجاء موتُك للآلام ترجمة
شديدة الوقع ملء السمع والبصر

عزيتُ فيك مَلاييناً مُمَلينة
في كل أرض مِن الأرياف والحَضَر

وقبلُ عزيتُ أهلَ السُّنة انفطرتْ
قلوبُهم ، ودَهتْهم شِدة الخَوَر

مُحَدِّثُ العصر ولى ، ثم ودَّعَهم
فما البكاءُ على السِّيماء والصُّور؟

وبعدُ عزيتُ أهلَ الأرض قاطبة
مُقدِّراً حاجة الأقوام للفِكَر

بحاجةٍ هذه الدنيا إلى عَلَم
أغنتْ معارفه عن سادةٍ أخَر

تموتُ تاركَهم في فتنةٍ عَدِمتْ
مَن تستضيءُ به في دربها العَسِر

عزيتُ فيك (حُوَيناً) في مُصيبتها
بدمع عين على الخدين منحدر

عزيتُ بالدمع (كفرَ الشيخ) عالمُها
قضى غريباً ، لَعَاً للظعن والسفر

حاشاك يُخزيك ربُّ الناس عِشت له
مُوحداً رغم أنف البُلهِ والتتر

وعِشت تنشُرُ دينَ الله معتمِداً
على المليك ، وما باليت بالضجر

في رحلةٍ حفلتْ بالعِز مؤتلقاً
وسيرةٍ نصُّها مِن أعذب السير

لم تَخْلُ من حَدَثٍ يَعوقُ مَذهبَها
سَرَتْ شرارتُه مِن كاذب أشِر

فيَمَّمَ (الشيخُ) للسودان مُرتحِلاً
فلم يكنْ في الذي يرجو بمنتصر

ويَمَّمَ (الشيخُ) نحو الغرب وجهته
فلم يَرُقه الذي في الغرب مِن قَذَر

وفي (المدينة) أملى (الشيخ) دعوته
مُوفقاً بين وقت النوم والسهر

وزارَ (عَمَّانَ) في أبهى شرافتها
تزهو بعِلم على الأمصار مُزدهر

والشيخ (ناصرُ) أقراهُ وضَيفَهُ
وكالَ مِن عِلمه المستيقن النضر

وبعدُ عاد إلى (الحَرَمين) في نهَم
إلى العلوم زكَتْ في كل مؤتمر

و(ابنُ العُثيمينَ) في نشر الهُدى قمرٌ
وكم يزولُ دجىً بطلة القمر

والشيخ (صالحُ) أستاذ ، ونفحتُهُ
تُدلي بدلو من الإفصاح معتبر

وهل كصحوة (آل الشيخ) ترشدُنا؟
توحيدُ ربك ينجي الناسَ مِن سَقر

طابتْ مجالسُهم ، وطابَ مَحْتِدُهم
وباءَ شانئُهم باللؤم والدَّبَر

والعِلم زانَ (أبا إسحق) في زمن
فاضتْ جهالتُه في المُدْن والمَدَر

ولابن باز دروسٌ توَّجتْه هُدىً
إذ ليس من عُجَر فيها ولا بُجَر

وللمُطِيعِيِّ فقهُ والحديثُ معاً
كان (الحُوَينيٌّ) قد أولاه في صِغر

و(الراجحيُّ) به أوصى مَن انتهجوا
نهجَ التعلم أشبالاً وفي كِبر

وللنقيب حَلا إطراؤه شغفاً
بما يقولُ مِن الإيضاح في الدُّرَر

سبعين عاماً قضى في العِلم زهرتها
وبعضَ عِلم - زها - بالسِّفر مُستطر

وجاهدَ البدعَ الرعناءَ عن رشد
وأهلها التحفوا بالذل والقتر

وصَدَّ كيدَ أشاعرةٍ وما نشروا
مِن الضلال بلا خوفٍ ولا حذر

وردَّ معتزليَ القوم ألزمَه
مَحجَّة ذهبتْ بالزور والغَرَر

وأعملَ السيفَ في التغريب ، جندلهُ
فلم يَسِرْ في دروب الكِبر والبَطر

ودَكَّ عَلمنة فاحتْ مناتنُها
فأصبحتْ مثلَ عظم بائدٍ نخر

وضاق بالشيخ ذرعاً أهل شيطنةٍ
وأهلُ جهل بليدٍ شائهٍ نكِر

لم يَقدُروا قدرَ أستاذٍ ودعوته
فأحرقوها بما ساقوا مِن الشرر

وشوَّهوهُ بلا حق ولا سَندٍ
وباء كل الألى عادَوهُ بالخُسُر

وبَدَّعوه ، وشطوا في دِعايتهم
أبئسْ بمَكر بنور العِلم مُندَحِر

وزندقوه فهل راجتْ بضاعتُهم؟
ولا بقاءَ لزيفٍ مُمْحِل قذر

وفسَّقوه ، ودعوى الفسق مُعلنة
وقبلُ كانت وراء الغمز والسُّتُر

ولم يَسوقوا على الدعوى أدلتها
كأن مَن خطها استكفى مِن السَّكَر

والبعضُ ناظرَ في أعتى مناظرةٍ
وليس في عقل أشقى القوم مِن نظر

والبعضُ شَوَّشَ في سِر وفي علن
وأنذروه ، فلم يُنصتْ إلى النذر

والبعضُ داهنَ في خبثٍ وفي نزق
كأنما ليس للتدشين من وَزَر

والذكرياتُ مع (الأستاذ) باقية
والأمسياتُ احتفتْ بالسعد والسمر

كنتُ التقيتُ به في دار مغتربي
كأنما جئتُ للقيا على قدر

ثم اقتسمْنا الغدا لدى مُضَيِّفنا
والشايُ من بعده أطايبُ الثمر

وبعدُ أهديتُه الأشعارَ طبعتُها
أولى ، خصصتُ به بعضاً من النفر

في سبعةٍ من دواوين شقِيتُ بها
كشاعر لثواب الله مفتقر

وقلت: يا شيخنا غربلْ قصائدَها
أرشدْ لعيب وراء النص مستتر

فقال: أفعلُ إمَّا فرصة سنحتْ
إن شاء ربك عبرَ الليل والسحَر

وأكبرَ (الشيخ) ما ألفتُ مِن كُتب
مِن كل مُنبسطٍ ، أو كل مختصر

واليوم يرحلُ ، والألبابُ ذاهلة
تكادُ ترتابُ في تصديقها العسِر

يا ليت (حاتمَ) لم تَسْطر أناملهُ
نعي (الحوينيَ) ، ما أقساه من خبر

يقول: (مات أبي) ، والفيسُ ينقلها
لو كان يدرك ما في النص من خطر

أبوك وحدك؟ لا والله ما خطرتْ
على قلوب محبي شيخِنا الكُثُر

أبو الجميع ، وإنْ أبطا بهم نَسَبٌ
ونورُ شمسِهمُ ، والنجمِ والقمر

كان الحياةَ لهم بشرع مَن سلفوا
فنعمَ شيخاً حيا بنهجه الأثري

في رحمة الله يا شيخاً نتِيهُ به
في صُحبة (المصطفى) بُشرى لمُحتضر

نظن خيراً بكم ظناً يُبَلغنا
حُسنى مليكٍ لِما يشاءُ مُقتدرِ

مناسبة القصيدة

(لقد كان نبأ وفاة شيخي وأستاذي الجليل الحبيب أبي إسحق الحُوَيني كالصاعقة علي قلبي. والذكريات التي عشتُها معه لا تنسى. وتلمذتي على دروسه ما كان مرئياً حياً منها وما كان مسموعاً لا تكاد تُفارق جوارحي ولا ذاكرتي. وكان من فضل ربي أن التقيتُ الشيخ في دار غربتي ، وأكلتُ وشربتُ معه ، وأهديته سبعة دواوين من شعري ليتصفحها ويغربلها ، ويرشدني إلى الأخطاء الواردة فيها. وإذ مات وحزنت لموته ، فها أنذا أترجم حزني عليه معلقة مأساوية تجاوزتِ السبعين بيتاً. أعود في رِتم هذه القصيدة الحزينة إلى ابن عبدون الفهري – رحمه الله تعالى – وهو من شعراء العصر الفاطمي حيث يقول في قصيدته (البسامة) التي ندب فيها بني مسلمة المعروفين ببني الأفطس. وذكر فيها أخبار الملوك الغابرين ، ويبكي مآثرهم:- الدَّهرُ يُفجِعُ بَعدَ العَينِ بِالأَثَرِ فَما البُكاءُ عَلى الأَشباحِ وَالصُوَرِ؟ أَنهاكَ أَنهاكَ لا آلوكَ مَوعِظَةً عَن نَومَةٍ بَينَ ناب اللَيثِ وَالظُفرِ ورأيت بعد دراسةٍ أن هذا الرتم الحزين يناسب تأبيني لأبي إسحق الحويني رحمه الله تعالى. وقصيدتي أقدمها لنفسي ولأستاذي ولأمتي المسلمة ولمصر وللعالم بأسره ، تأبينا لعالمنا الكبير وأستاذنا الجليل ومحدث عصرنا ومن أحببناه في الله تعالى. وجعلتُها من البحر البسيط متأثراً برتم ابن عبدون والذي أشرت إليه في مقدمة قصيدتي وهو ابن عبدون الفهري – رحمه الله تعالى – وهو من شعراء العصر الفاطمي في قصيدته (البسامة) التي ندب فيها بني مسلمة المعروفين ببني الأفطس. وذكر فيها أخبار الملوك الغابرين ، ويبكي مآثرهم. فها أنذا أصنع الشيء ذاته ، فأبكي أبا إسحق الحويني ، وأذكر مآثره ورحلته وكتبه ودروسه ومحاضراته ومناظراته نثراً وشعراً. وإن لم يكن لي ذات النفس وذات الشأو الذي بلغه ابن عبدون الفهري في قصيدته ، فإنه يبقى لي شرف المحاولة. والله الموفق ، وهو الهادي إلى سواء السبيل.)
© 2025 - موقع الشعر